عملية السلام تحتاج إلى المزيد من المناصرين

عملية السلام تحتاج إلى المزيد من المناصرين

بقلم راي حنانيه

Peace process needs more moderates

لو تركنا مفاوضات السلام الاسرائيلية الفلسطينية في أيادي المفاوضين فحسب، فسرعان ما سنجدها مقبورة وستعود الحال على ما كانت عليه من تواصل الصراع والمزيد من المستوطنات والتآكل المستمر للحقوق الفلسطينية.

ونحن نلاحظ كيف هبّت قوى التطرف والتشدد الاسرائيلية والعربية على حدّ سواء. فهذه قوى منظّمة وفعالة عندما يتعلق الأمر بنسف عملية السلام، في حين أن القوى المعاكسة لهم وهي قوى “الاعتدال” لا تزال تراوح مكانها وتبحث عن موقع لها.

ويتّسم “المعتدلون” بالاستحياء عندما يتعلق الأمر بالسلام المستند إلى التوافق. هذا هو المشكل. وبعد سنوات طويلة من الصراع والمعاناة والاعتداءات البشعة التي ارتكبها الطرفان، أصبح من الصعوبة بمكان أن يتصافح الفلسطينيون والاسرائيليون.

كما أن مصداقية المتطرفين تبدو أكثر قوة اليوم مما كانت عليه قبل 20 عاما، عندما كانوا يلجؤون إلى الانتحاريين لنسف عملية السلام المستند على التوافق.

وقد حصلت حركة المقاطعة وسحب الاستثمار وتسليط العقوبات، والتي تدعو إلى مقاطعة كل ما هو إسرائيلي حسب البعض، أو مقاطعة السلع والأعمال التي تنشأ في الضفة الغربية المحتلّة، حسب البعض الآخر، على دعم إعلاميّ كبير من الاتحاد الأوروبي مؤخرا.

وقد صادق الاتحاد الأوروبي على منع التعاملات التجارية مع أية مستوطنات إسرائيلية أو أي شركة إسرائيلية مقرّها الضفة الغربية المحتلة. ولكن الحضر لا يشمل كل الدول 28 العضوة في الاتحاد.

ويستند الحضر على المستوطنات الموجودة في الضفة الغربية على القانون الدولي، ولكن الأهم من ذلك أنه يستند على المبدأ. المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية هي أوكار التطرف الاسرائيلي، وهي قواعد للعنف الذي يستهدف العرب المسيحيين والمسلمين. احتلّت إسرائيل الضفة الغربية سنة 1967، حين هاجمت إسرائيل الدول العربية بدعوى أن هذه الأخيرة كانت تخطط لاجتياحها. أمّا وقد تبيّن الآن حال الجيوش العربية في 5 حزيران/يونيو 1967، فإن الحديث عن أي “اجتياح” لإسرائيل يبدو مبالغ فيه.

ولكن مع هذا، فإن مبادرة الاتحاد الأوروبي تدعم قوة الرافضين العرب الذين يجادلون بأنه ليس على  إسرائيل أن تفكك المستوطنات غير الشرعية فحسب، ولكن عليها أيضا العدول عن هويتها اليهودية وقبول مبدأ الديمقراطية بشكل يسمح “للمسيحيين والمسلمين واليهود أن يعيشوا متساويين”.

ومع الأسف، ليس هناك مكان واحد على وجه البسيطة يعيش فيه المسيحيون والمسلمون واليهود في كنف المساواة. فالمسيحيون يعانون من مشاكل جسيمة، ليس في إسرائيل فقط، بل وحتى في العالم العربي.

وعندما تسأل الرافضين عمّا يريدون تحقيقه علاوة على العودة إلى الوضع السائد قبل 1947، أي قبل تصويت الأمم المتحدة على قرار التقسيم، فلن تجد عندهم جواب. كلّ ما يستطيعون فعله هو سرد الحادثة تلو الأخرى، وأغلبها حقيقية، عن كيفية قضم إسرائيل للحقوق الفلسطينية، ومصادرة الأراضي بشكل مخالف للقانون، وطرد وقتل المدنيين دون وجه قانوني، (وهو ما يسميه الاسرائيليون “القتل خارج الاطار القانوني”)، وتوسيع المستوطنات غير القانونية.

ويُفترض في عملية السلام أنها تتجاوز حالة الغليان والصراع المستعصي من خلال تقديم توافق بين الطرفين، يكون مستندا إلى القبول بحل الدولتين، دولة إسرائيل المستقلة، ودولة فلسطين المستقلة، وتوفير الأمن لكلا الشعبين.

وهذا ليس بعيد المنال، ولكنه يعني أن يتنازل الفلسطينيون عن حق العودة، حيث أن ملايين اللاجئين الذين ينحدرون من عائلات أُخرجت قسرا من طرف القوات الاسرائيلية من أراضيها وبيوتها، لن يستطيعوا العودة إليها لأنها واقعة في داخل إسرائيل، إلا من خلال نظام الهجرة الاسرائيلي، الذي يُعيق هجرة غير اليهود.

وعلى الاسرائيليين أن يتخلّوا عن ايديولوجيتهم الاستيطانية التوسعية الصهيونية، وأن يتوقفوا عن سرقة الأراضي الفلسطينية من أجل بناء المستوطنات العنصرية، التي تُشيّد لصالح مجموعة بشرية بمفردها وهم اليهود.

وإذا ما نظرنا إلى المسألة من هذه الوجهة، فإننا نُدرك أن هذه القضايا قابلة للحل، بشرط أن يتخلى الطرفان على رغباتهم المتطرفة.

ولن يتخلى المتطرفون عن تلك الرغبات. وإن لم يتمكّنوا من سحق الطرف الآخر بالكامل، فهم مستعدون لمواصلة الصراع إلى ما لا نهاية. لقد أدى النزاع الاسرائيلي الفلسطيني إلى تهجير مئات الآلاف، وجرح وقتل أعداد مماثلة، ولكنه أيضا خلق صناعة للمتطرفين، وهم يكسبون من وراءه الوظائف وحتى الشهرة.

وفي العالم المصنّع اليوم، سوق الكراهية مزدهرة أكثر من سوق المحبّة. والكراهية تجاه إسرائيل والكراهية تجاه الفلسطينيين تستقطب الكثير من الأتباع. وتُقام المؤتمرات حول مواضيع نبيلة مثل “تحقيق السلام”، ولكنها تعجّ بالأصوات المرتفعة المليئة بالحنق الذي يتوازى وأحيانا يتماهى مع الكراهية.

والخليط الذي يحضر تلك المؤتمرات التي ينظمها الاسرائيليون والعرب هو جزء من المشكلة. ويقبل المعتدلون الذين يدعمون السلام بالمشاركة في مؤتمرات تنظمها مجموعات تسعى إلى تدمير الطرف الآخر.

ويشارك الكثير من المعتدلين العرب في مؤتمرات تكون عادة مليئة بالحنق والنقد اللاذع “لعملية السلام”. فبالنسبة للمتطرفين، كلما نجحوا في إفشال السلام، ازدادت ترسانتهم لمحاربة السلام.

أما شعار المتطرفين، فهو بسيط جدا. “السلام لم ينجح ولن ينجح أبدا”. بالطبع، فإن عدم نجاح السلام يعود إلى حدٍّ كبير إلى رفضهم لمفاوضات السلام. لقد اغتال الاسرائيليون مناصر السلام رئيس الحكومة الاسرائيلية الأسبق إسحاق رابين، بينما انغمس المتطرفون العرب في حملة حقيرة من التفجيرات الانتحارية، عبر دفع أطفالا صغارا ومراهقين بالإضافة إلى بالغين غُسلت أدمغتهم لتفجير أنفسهم في وسط المدنيين الاسرائيليين. ولم تحقق حملة التفجيرات الانتحارية أية أهداف عسكرية، ولكنها نجحت في خلق مناخ من الغضب جعل من السهل إحباط جهود السلام.

وتحتاج عملية السلام إلى أكثر من مجرّد أن يقبل الفلسطينيون والاسرائيليون بالجلوس حول طاولة المفاوضات. وتحتاج إلى أكثر من دعم الرئيس باراك أوباما. فهي تحتاج أيضا إلى المزيد من المعتدلين الذين تكون لهم الإرادة والقدرة على الثبات والدفاع عن السلام.

وقد نكون بصدد آخر فرصة لتحقيق السلام. أما البديل فمزيد من الصراع والعنف.

ويجب على المعتدلين أن لا يفسحوا المجال واسعا للمتطرفين. يجب أن لا يكون هناك أيّ تساهل مع التطرف والكراهية وخاصة مع العنف. يجب على المعتدلين أن يكونوا أكثر نشاطا وأن يقوّوا قواعدهم. وعليهم أيضا أن يتجمعوا ليعملوا مع بعضهم البعض، وهو ما لم ينجح بشكل كبير سواء في الثقافة العربية أو الاسرائيلية.

راي حنانيه كاتب صحفي متحصل على جوائز عديدة. اتصلوا به على موقع www.TheMediaOasis.com . تابعوه على عنوان تويتر @rayhanania



Categories: Arabic

Tags: , , , , , , , , , , , , ,

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 9,906 other followers

%d bloggers like this: